محمد جمال الدين القاسمي

445

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ . . . إلى قوله الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ المائدة : 116 ] . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 160 ] فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً ( 160 ) فَبِظُلْمٍ أي : بسبب ظلم عظيم ؛ فالتنوين للتفخيم . وهو جامع لتفصيل نقض الميثاق وما عطف عليه مما استحلوه ، بعد أن حرمته التوراة مِنَ الَّذِينَ هادُوا أي تلبسوا باليهودية . وفيه تعظيم ظلمهم أيضا . إذ صدر عنهم بعد ما ادعوا أنهم من أهل التوراة والرجوع إلى الحق حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ قال ابن كثير : هذا التحريم قد يكون قدريّا . بمعنى أنه تعالى قيضهم لأن تأولوا في كتابهم وحرفوا وبدلوا أشياء كانت حلالا لهم . فحرموها على أنفسهم تضييقا وتنطعا . ويحتمل أن يكون شرعيّا . بمعنى أنه تعالى حرّم عليهم في التوراة أشياء كانت حلالا لهم قبل ذلك . كما قال تعالى : كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ [ آل عمران : 93 ] . أي : ما عدا ما كان حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ، من لحوم الإبل وألبانها . ثم إنه تعالى حرّم أشياء كثيرة في التوراة . كما قال في سورة الأنعام : وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ، وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ، ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ ، وَإِنَّا لَصادِقُونَ [ الأنعام : 146 ] . أي : إنما حرمنا عليهم ذلك ، لطغيانهم ومخالفتهم رسولهم واختلافهم عليه . ولما ذكر ظلمهم ذكر مجامع من جزئياته بقوله تعالى وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي : الذي لا أوضح منه ولا أسهل ولا أعظم كَثِيراً أي : ناسا كثيرا . أو صدّا كثيرا . فهم صدوا الناس وصدوا أنفسهم عن اتباع الحق . وهذه سجية لهم متصفون بها من قديم الدهر وحديثه . ولهذا كانوا أعداء الرسل وقتلوا خلقا من الأنبياء . وكفروا بعيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 161 ] وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 161 ) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ أي : في التوراة وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ